24 ساعة | الحقيقة… أولا و أخيرا

 عاجل

تحليل: رمال مغاربية متحركة في طريق سياسة ألمانيا الأفريقية

السبت 7 سبتمبر 2019 - 15:41
تحليل: رمال مغاربية متحركة في طريق سياسة ألمانيا الأفريقية
بنشر بشراكة مع dw العربية

تبدي ألمانيا اهتماما متزايدا في سياستها بالقارة الأفريقية. لكن نجاحها في الوصول إلى العمق الأفريقي يحتاج إلى مقومات عدة من أبرزها منطقة مغاربية مندمجة كحلقة وصل جيواستراتيجية، وهنا تكمن المعضلة.

“مستقبل ألمانيا يوجد أيضا في أفريقيا” بهذه العبارة دقَّ الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني (1946 – 2013) تروتز فون تروتا ناقوس التحذير من خطر عدم وضع العلاقة مع أفريقيا في أولويات استراتيجية ألمانيا، وكان ذلك في أوّج اهتمامها بشرق أوروبا، اذ كتب فون تروتا في شهر أغسطس/ آب سنة 2000 في دراسة نشرتها صحيفة “دي تسايت” الرصينة بعنوان: “مستقبل ألمانيا يوجد أيضا في أفريقيا”، بأن انهيار الدولة وتفكك عناصر النظام العالمي الأحادي في القارة السمراء سيكون له عواقب دراماتيكية على ألمانيا وأوروبا”.

بصمات أفكار فون تروتا، تبدو اليوم واضحة في خطاب ساسة ألمانيا ووثائق استراتيجياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية إزاء القارة الأفريقية. في مؤتمر عقدته الحكومة الاتحادية عن أفريقيا بالعاصمة برلين، بتاريخ 29 مارس 2017 أعلن وزير التنمية الألماني غيرد مولر عن “خطة مارشال مع أفريقيا” لإعادة هيكلة شاملة للمساعدات الاقتصادية. وتنطلق هذه المبادرة من تصور ألماني بأن النمو الديمغرافي المتسارع في القارة الأفريقية، بمعدل مليون نسمة سنويا، والذي لا يوازيه تطور اقتصادي، سيؤدي إلى تفاقم الفجوة مع أوروبا واتساع ضغط الهجرة نحو الشمال.

وبقدر ما يبدو أن الرؤية الألمانية للقارة الأفريقية، تتداخل فيها قضايا التنمية والأمن والاستقرار السياسي، فهي من ناحية ثانية تستند إلى حوافز تعد بمستقبل اقتصادي واعد للعلاقات مع أفريقيا، إذ أن ثمانية من أسرع 12 اقتصادا نموا في العالم توجد في أفريقيا، كما تفيد بذلك تقارير مؤسسات اقتصادية دولية.

دوافع وحوافز عديدة تجعل القارة الأفريقية إذا في سلم الأولويات في السياسة الألمانية، لكن ما هو موقع المنطقة المغاربية في هذا السياق؟ وإلى أي حد تتأثر سياسة ألمانيا الأفريقية بأوضاع هذه المنطقة ذات الأهمية الكبيرة من الناحية الجيواستراتيجية بالنسبة لأوروبا؟
ألمانيا تخرج عن نهجها المتحفظ

لقد أملت التحولات والتحديات المرتبطة بأفريقيا ومناطق أخرى في العالم، تغيرا واضحا في سياسة ألمانيا الدفاعية، من نهج متحفظ تقليديا إلى انخراط أكثر كثافة للجيش الألماني في عمليات حفظ السلام، ومن ثم جاءت مشاركة ألمانيا بقوات غير قتالية ومدربين ومساهمة لوجستية في عمليات حفظ السلام التي تقودها فرنسا في مالي، وتهدف تلك العمليات إلى مكافحة التطرف الإسلامي والهجرة غير الشرعية. وتشارك ألمانيا بشكل نشط في عمليات حفظ السلام ومراقبة بحرية في القرن الأفريقي وفي حوض البحر الأبيض المتوسط.

كما يرصد مراقبون أدوارا ديناميكية للديبلوماسية الألمانية في تسوية نزاعات معقدة في منطقة شمال أفريقيا، عبر مبعوثين ضمن مهمات أممية في الأزمة الليبية ونزاع الصحراء، وهي أدوار تتسق من ناحية مع التوجه الألماني نحو القارة الأفريقية، وتأتي إدراكا من ألمانيا بأن ما يحدث في الجوار الجنوبي لأوروبا ليس سوى حلقة تختمر داخلها المشاكل سواء كانت مُصدّرة من العمق الأفريقي (مثل الهجرة غير الشرعية) أم من صلب المنطقة المغاربية، في انتظار تحولها إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط.

لكن الأدوار الألمانية نحو العمق الأفريقي تواجهها صعوبات ملحوظة، يعود بعضها للحالة الصعبة التي يجتازها الاتحاد الأوروبي ولشراسة المنافسة التي تفرضها قوى عالمية وإقليمية بدءا من الولايات المتحدة والصين ووصولا إلى تركيا. وتكتسي هذه الصعوبات أبعادا أكثر تعقيدا في المنطقة المغاربية بحكم موقعها وشدة المنافسة حولها وطبيعة التحولات التي تعيشها محليا.

رمال متحركة

تبدو المنطقة المغاربية كرمال متحركة في طريق ألمانيا نحو العمق الأفريقي. ففي ليبيا تشتعل منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي حرب أهلية دامية. ويتدفق من هذا البلد، الذي يمتد ساحله المتوسطي على طول 1800 من الكيلومترات سنويا عشرات الآلاف من المهاجرين بطرق غير قانونية. وبسبب الأزمة، تراجعت صادرات ألمانيا نحو ليبيا إلى أدنى مستوياتها، كما تتعرض وارداتها من الطاقة الليبية إلى اضطرابات بسبب المخاطر المتواصلة. وتسعى برلين حاليا إلى دفع مبادرة جديدة يرعاها المبعوث الأممي غسان سلامة، من أجل عقد مؤتمر دولي لإنهاء الصراع المسلح واستئناف العملية السياسية في البلاد.

واستثمرت ألمانيا خلال السنوات الأخيرة الكثير من المال والدعم السياسي والأمني من أجل ترسيخ عملية الانتقال الديمقراطي في تونس، البلد العربي الوحيد الناجي من تداعيات “الربيع العربي”. وحاولت تنفيذ برامج تعاون واعدة ليس للتنمية في تونس فقط، بل أيضا في أفق فتح فرصا للشباب في القارة الأفريقية، على غرار برنامج للتكوين المهني ودعم تشغيل الشباب التونسي والمهاجرين الأفارقة. وقد تم الاتفاق عليه خلال زيارة رسمية للمستشارة أنغيلا ميركل بداية سنة 2018. لكن الديمقراطية الناشئة في تونس ما تزال نتائجها الاقتصادية لم تترجم في الواقع للتونسيين، كما أنها تبدو محاطة بمحيط إقليمي مضطرب، مما يحدّ من فرص تحول الشراكة التونسية الألمانية إلى قاعدة نحو العمق الأفريقي.

وتبدو الجزائر أهم معضلة الآن بالنسبة للسياسة الأفريقية الألمانية، فهي أول شريك اقتصادي في شمال أفريقيا والبلد الأكبر في امتداداته الجغرافية بالقارة السمراء وخصوصا ببلدان جنوب الصحراء التي تركز عليها السياسة الألمانية.

وفضلا عن انحصار التعاون والتبادل بين ألمانيا والجزائر في قطاعات محددة، وهي الطاقة والسلاح والسيارات، فان هذه القطاعات بدورها تواجه تقلبات. فالأزمة السياسية التي تعيشها الجزائر منذ بداية السنة الحالية، قد تضع قيودا على صادرات السلاح الألمانية.

كما أن غياب رؤية واضحة لإصلاح الاقتصاد الجزائري وانفتاحه على الخارج، يجعل فرص ألمانيا في الاعتماد على الجزائر كقاعدة نحو الأسواق الأفريقية أمرا صعب المنال، على الأقل في المدى المنظور، بخلاف الوضع مع الصين وتركيا اللتين يتنامى حضورهما في السوق الجزائرية، بل إن الصين تسعى لتنفيذ مشاريع بنى تحتية ضخمة لنقل مصادر الطاقة بين الجزائر ونيجيريا.

وعلى صعيد العلاقة مع المغرب البلد الأكثر استقرارا في المنطقة المغاربية، والأكثر نشاطا حاليا في القارة الأفريقية، فان علاقاته التقليدية مع ألمانيا لم تحقق بعدُ زخما أو طفرة، سواء على المستوى الثنائي أو على مستوى إشعاعها أفريقيا. ويُعزى ذلك لعوامل تاريخية مثل النفوذ الفرنسي ووجود منافسة أوروبية (إسبانية، إيطالية، يونانية..) للصادرات المغربية نحو ألمانيا.

وليست العلاقات الألمانية الموريتانية أفضل حالا، فقد ظلت بدورها محدودة، إلى أن ظهرت متطلبات تنشيط السياسة الألمانية في منطقة الساحل والصحراء، في مواجهة التحديات الأمنية.

مبادرات في الزمن الضائع؟

ويعمق من معضلة السياسة الألمانية على المستوى الإقليمي في شمال أفريقيا، غياب اندماج مغاربي بسبب النزاع المغربي الجزائري واستمرار ملف الصحراء الغربية معلقا. الأمر الذي يضع المنطقة المغاربية في حالة مصدِّر للأزمات والمخاطر بالنسبة للجوار الأوروبي، ويضعف بالتالي مكانتها كشريك سواء لألمانيا أو للاتحاد الأوروبي. ويحدث ذلك بموازاة محدودية وسائل السياسة الألمانية التي تعتمد على مساعدات تنموية وآليات محدودة التأثير حتى في ملف الهجرة، مثل آلية تصنيف الدول المغاربية كدول آمنة، التي لا تعكس سوى الآفاق المحدودة لسياسة الهجرة الألمانية والأوروبية.

ان التحول المهم الذي يمكن رصده هو وجود تحرك ألماني استراتيجي نحو المنطقة المغاربية والقارة الأفريقية، لكنه يأتي في وقت يشهد فيه الاتحاد الأوروبي حالة تجاذبات على المستوى الداخلي وضعف كبير على الصعيد الخارجي، وهو ما يفسح المجال لقوى إقليمية وعالمية أخرى لعب أدوار أكثر فعالية، والحالة الليبية هي أكبر مؤشر على ذلك. وقد يكون ذلك ثمنا باهظا تؤديه الآن أوروبا وقاطرتها الألمانية والمنطقة المغاربية معا لإضاعتهم الفرصة التاريخية التي أتيحت إثر الحرب الباردة، من خلال عدم المضي في الشراكة الأوروبية المتوسطية التي أطلقت قبل عقدين ونيف ببرشلونة.

إن بوادر التحول في نمط تفكير النخب السياسية والاقتصادية المغاربية المرتبطة تاريخيا بالنفوذ الفرنسي، وعودة الوعي لدى عدد من الدول المغاربية بالبعد الأفريقي في سياساتها، تشكل قيمة مضافة في علاقات المنطقة المغاربية بعمقها الأفريقي، يمكن أن تحقق منها فوائد ومصالح كبيرة. وأبعد من ذلك فهي تمنح المنطقة المغاربية عناصر توازن استراتيجي طالما افتقدتها في علاقاتها بالجوار الأوروبي، لاسيما اذا وظفت البلدان المغاربية موقعها الجيو- استراتيجي كحلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا.

وهنا تبدو مقولة مدير معهد العالم العربي بباريس، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق جاك لانغ: “مستقبل أوروبا يوجد أيضا في المغرب العربي”، في مقابلة أجرتها معه مؤخرا القناة الألمانية الثانية ZDF، وكأنها تأتي بعد عقدين من الزمن لتكمّل عبارة الفيلسوف الألماني تروتز فون تروتا..

ولكن كما تقول الحكمة المتوارثَة: أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا !

منصف السليمي

مقالات ذات صلة

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هيئة تحرير 24 ساعة

0 التعليق

لا تعليقات حتى الآن!

لا توجد تعليقات في الوقت الحالي، هل ترغب في إضافة واحد؟

اكتب تعليق

اكتب تعليق