المفكر المغربي عبد الله ساعف يُشَرح الواقع السياسي والإجتماعي بالمملكة

27 يونيو 2019 - 17:59
-
24 ساعة ـ عبد الرحيم زياد

يعتبر المفكر المغربي الدكتور عبد الله ساعف، برفسور في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة محمد الخامس بالرباطن شغل مهام وزير للتربية الوطنية في حكومة التناوب التي تراسها عبد الرحمن اليوسفي ما بين سنتي 1998 – 2002. يدير “مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية”،و مديرا المجلة المغربية للعلوم الاجتماعية “أبحاث”، و”دفاتر سياسية”. له ما يقارب 20 مؤلفًا منشورا باللغتين العربية والفرنسية، فضلا عن كونه يعتبر من أبرز المفكرين اليساريين في المغرب.

في حوار له مع صحيفة “القدس الغربي ” اللندنية، سلط عبد الله ساعف الضوء على كثير من القضايا والملفات التي تشغل بال الراهن السياسي والإجتماعي لمغرب اليوم. متدثا عن الارباك السياسي وواقع الأحزاب السياسية ومن حراك الريف إلى حراك جرادة إلى اضرابات الأساتذة والطلبة، و ارتفاع نسبة البطالة و معضلة الهجرة السرية، كل ذلك في ظل عالم وإقليم متحرك.

وكشف ساعف في تعليقه على وضعية اليسار اليوم في المشهد السياسي المغربين  أنه من ميزة هذه المرحلة أنه لأول مرة في تاريخ المغرب، اليسار ليس في وضعية مريحة، يمكننا أن نذهب بعيدا في إعطاء الطابع المأساوي كما نسمع ذلك في أحاديث كثيرة عن اليسار: التشرذم، الضعف، إلخ، ميزة اليوم أن ضعف اليسار ينعكس على ضعف اليمين، إذن لم نتجاوز هذه الجدلية، ولكن صيغها تغيرت، سابقا لم يكن الحضور الإسلامي بهذه القوة. واستطاع بذلك أختراق المجتمع المغربي  حيث وصلت القوة التنظيمية للعدالة والتنمية أوجها، إضافة ضعف النقابات بل صارت لدينا نزعة الحد من الدوائر النقابية، الخروج من النقابات، لأنه حتى المطالب الاقتصادية والاجتماعية لم تعد تحتويها الدوائر النقابية. ثم ضعف المجتمع المدني نفسه، المجتمع المدني بطبيعته مشتت ومجزأ، شخصان بإمكانهما تشكيل جمعية، شخصان حسب القانون المغربي، بالتالي بقدر عدد المغاربة هناك جمعيات، ضعف المجتمع المدني الذي ظهر في محدودية دوره في الوساطات، هو غير متواجد وسط النقاش العمومي والملفات الوطنية الكبرى. وضعف الحركة الاجتماعية، رغم الحسيمة رغم جرادة، رغم المقاطعة. الحركة الاجتماعية دائما عابرة، إلا أنه لم يبد أننا سنعرف لحظات للتوحيد الاستثنائية مثل ما وقع بشكل نسبي جدا في الحالة المغربية، بخلاف الحالة التونسية، الحالة المصرية، حالات عربية، حالات في المنطقة متعددة، حالة ما جرى في الربيع العربي لدينا، لمدة طويلة من فبراير إلى صيف 2011، وقع ذلك التوحيد الذي تلاشى تدريجيا إلى أن فك الحلفاء الارتباطات فيما بينهم، والمسارات الفردية التي طبعت واقعة عشرين فبراير تشتت وأخذت عدة اتجاهات.

وعن الأثر الذي خلفه حراك تنامي الحركات الاحتجاجية في المغرب في السنوات الأخيرة، وخاصة حراك الريف على مؤسسات الدولة وصورة المغرب في تقارير المنظمات الدولية، يرى عبد الله ساعف، أن هناك حركة احتجاجية متنامية لكن كما قلت مشتتة ومتباعدة زمنيا، في الوقت الذي تكون هناك حركة اجتماعية تنمو في الدار البيضاء أو طنجة أو ما إلى ذلك، تكون المدن المجاورة كأنها في عالم آخر. أو تعامل المؤسسات مع هذه الحركات أمنيا وسياسيا، الحركات الاحتجاجية لعبت كذلك كمحرك للسياسات العمومية، تبرز نقط الضعف وتتولد عن ذلك مخططات استعجالية، برامج، زيارات، حوارات. من هذه الناحية هناك تأثير مباشر على السياسات العمومية، لأن من يسيرون الشأن العام يتجاوبون مع الوقائع الاجتماعية. وبالتالي هي احتجاج على الوضع القائم، ولكن في نفس الوقت السياسات التي تبلورت تستفيد من هذه الاحتجاجات لتغذية السياسات العمومية ولتطويرها، لا من ناحية المضامين ولا من ناحية وتيرة العمل وتحاول استدراكها، هل تنجح؟ هذه قضية أخرى. وهذه القضية قديمة، لأنه في علم السياسة الذي موضوعه المغرب تساءل كثيرا عدد من المحللين المعروفين كانوا ينبهون عبر نظرية الأدوار أن دور المعارضة هو تنبيه السلطة القائمة لما يمكن أن تقوم به، النظام في مرحلة الحسن الثاني، في نهاية السبعينات والثمانينيات كانت الوظيفة العميقة للمعارضة المؤسساتية هي فتح أعين السلطة على ما لم تفعله لتستدركه. الإحتجاج حاليا صارت له هذه الوظيفة، وهو الدور الذي كان تقليديا عند المعارضة.

وحول إن كانت هناك بوادر مصالحة وطنية بعد استنفاد الخطاب الرسمي لخياراته القانونية والقضائية إزاء نشطاء حراك الريف، يرى ساعف أنه لاحظ حركة حقوقية ووساطات، لا يمكنني تكهن جدواها، هل شروط التفاهم بين أطراف مختلفة لإحقاق ما أسمتيه مصالحة أسسه متوفرة موضوعيا أم فقط سلسلة المناسبات التي تجعل الدولة والأطراف الأخرى تقوم بتنازلات؟ شعرنا بالمصالحة في مراحل مختلفة أذكر منها اثنين: عشية التناوب، سميت آنذاك مصالحة، والمحطة الثانية هي محطة الإنصاف والمصالحة، هذه فعلا محطات بارزة وإن كان عبد الله العروي في “تاريخ المغرب الكبير” كان يرى أن السمة التي طبعت بعمق التطور التاريخي للبلاد تطرح بشكل جوهري مسألة المصالحة بين الدولة والمجتمع، هل نحن في حالة من هذا الحجم أم هي مسألة ترابية كما يدعي البعض أو نتيجة للحصار الذي كان على منطقة جغرافية بخصائصها التاريخية، هل يمكن أن نسميها مصالحة أو فقط مسألة غياب وساطات حقيقية بفعل ضعف الأحزاب والنخب؟ هل نحتاج مصالحة تاريخية بحجم مصالحة العروي أم بشكل التناوب أوالإنصاف والمصالحة أم فقط هناك منطقة لها حاجات؟ في نظري هناك وضع يجبر الأطراف المختلفة أن تطرح مما هي عليه من أطروحات وفرضيات.

وعن وضعية الصحافة والحريات وبخصوص الاتجاه العام للحريات في المغرب، كشق عبد الله ساعف، هل نتقدم أم لا؟ أنا في رأيي كنا نتقدم وهناك إمكانيات للتقدم، هناك جانب مؤسساتي وقانوني تقدم، والصحافيون ساهموا في تجاوز العديد من الخطوط الحمراء، مثل الحديث عن الأمن والجيش والمخابرات، هناك مقاومات في مجالات أخرى، هذه مسألة مرتبطة بتطور مسارات. وأعتبر أن حركة عامة كانت في اتجاه التقدم وإن كان هناك مد وجزر، هل ما نعيشه في المراحل الأخيرة يظهر أن هناك تراجعا؟ بعض الأحداث لا تبدو عرضية ولا تبدو عابرة، تظهر أن هناك مقاومات حقيقية ولكن في نفس الوقت لا أعتبر أن الدولة يمكن أن تقوم بما تريد مع وجود من يشتغلون في مجال حرية التعبير والصحافة ونشطاء في المجال الرقمي، هذا يبدو أنه مرحلي، لا أبرر ولكن كمهتم بالمجتمع المغربي أرى أن الاتجاه العام يسير نحو الانفتاح بسبب نمو وعي مجتمعنا وكفاحية الفئات التي تشتغل في حقول حقوقية.

وجوابا على سؤال حول احتمالية  أن يشهد المغرب حراكا آخر بشكل 20 فبراير، أبرز ساعف أن الأنظمة واثقة في نفسها أكثر من اللازم وغير مستبعد أن تكون هناك انتفاضات وانفجارات. لكن المشكل في طبيعة هذه الحركات، في الجزائر نرى مشكل قيادة هذا الإحتجاج وإعطائه صيغة برنامجية دقيقة، ولدينا نفس الأمر في المغرب. ويمكن أن تبقى الحركات في المناطق وقد تكون بالرباط احتجاجات فئوية، أستبعد في الظروف الحالية تجمعها.

وعن رؤيته لأداء الدولة في الوقت الراهن، ٍاى ساعف أن ذلك مرتبط بالفرضيات التي تحدثنا عنها، الدولة من الصعب أن تشتغل لوحدها، وإن كانت قوية بحزامها الأمني، والأمني هو مستويات عدة، الجيش والأمن والمخابرات والأمن العقدي. لا يمكن لوضع يتسم بضعف الأحزاب والنخب والمجتمع المدني ألا ينعكس عليها، هي تعتبر نفسها قوية، وأظهرت النظريات السياسية وهيغل أساسا أنه لا بد من توازن والتوازن الآن مختل. ليست هناك دولة تقوم على أساس أنها قوية بذاتها، إضافة إلى أن المجتمع تقدم وهناك ارتفاع للوعي السياسي يطالب بالمزيد من المشاركة والعدالة الاجتماعية في مرحلة الموارد فيها قلت. الدولة في عدة نظريات هي تمنح موارد مادية مختلفة أو وضعيات قانونية أي رأسمال رمزي، وهناك ندرة المادي والرمزي ولا يمكن بهذا النمو الديموغرافي واتساع الطبقات الوسطى، كوعي وليس فقط كدخل، وتضخم الانتظارات. ولو أنه تحدثنا سابقا على غلبة الديناميات الداخلية على التأثير الخارجي لكن لا يمكن استصغاره، كل هذا يعطي موقعا جديد للدولة ويعطيها ملامح مختلفة عن السابق.

وحول  الانتخابات المقبلة، أبز ساعف أن الجو السائد يطرح مشكل الآفاق، إلى أين نتجه وما هي المشاريع المجتمعية المغربية التي ستتنافس؟ المشاركة لم تحل المشكل والمقاطعة كذلك، تصليب الحياة السياسية المغربية في نظري ضرورة، أن تكون منبثقة من السوق وليست مصطنعة أو مؤطرة أو موجهة، هذا لم يعد يجدي، لا يجب صناعة التوازنات ولكن طرح قواعد مقبولة ومتفق عليها ويؤمن بها الناس، أما صناعة المواقف والمواقع سواء كمنظومات جماعية أو أفراد هذه لن تمكننا من الخروج من المأزق، التدخلات الإرادية التي تدعي أنها ستصنع الخريطة يجب أن تتواضع وتترك المجال للتلقائية، يجب الإتفاق على قواعد، هل يلزمنا ميثاق أخلاقي جديد بين الدولة والأحزاب كما تم في سنة 1997هذا سؤال؟.

وعن تطور المغرب من زاويتي المجتمع المدني والرأسمال الاجتماعي، كشف عبد الله ساعف ،أنه تم استثمار أبحاث كثيرة حول المجتمع المدني في السنوات الأخيرة، كان سؤالنا في التسعينيات هل لدينا مجتمع مدني؟ تأكد تدريجيا بأن هناك مجتمعا مدنيا لكن السؤال الذي ما زال مطروحا هو ما هي مكانته وأهميته وإمكانية تأثيره على الواقع؟ هناك أجوبة مختلفة حسب الميادين والمجالات، رأينا موجة الجمعيات الحقوقية والمهتمة بوضعية المرأة والجمعيات التنموية والفئوية هنا كمسار للمجتمع المدني معقد ومن الصعب الحديث عنه في هذا المقام، هناك تقدم لكن دوره ما زال متواضعا مقارنة مع التحديات المطروحة، ومع ذلك هناك مجال واسع للمساهمة في البناء الديمقراطي وتوسيع التداول العمومي في الشأن العام ويمكن أن تظهر في المستقبل تجربة الجبهات الواسعة التي تجمع حركات اجتماعية وجمعيات مدنية وو..

ولان عبد الله ساعف تجتمع في شخصه  تجربة السياسي والمثقف والباحث في العلوم السياسية في شخص واحد، وأ أين يجد عبد الله ساعف نفسه أكثر، أجاب ، أنا أستاذ ولكن إنسان، ومثلما قال أرسطو “الإنسان حيوان سياسي” ومنذ دراستي الثانوية كان يبدو لي أني سأكون سعيدا كأستاذ وشاءت ظروف معينة أن أناضل في حزب كعضو في منظمة العمل وفيما بعد كعضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، ومارست السياسة في إطار تنظمات انتميت إليها، ومن اللحظات الأساسية في حياتي كنت في لجنة لإعادة إحياء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مع السي الحيحي والسي أومليل قبل إعطاء الإنطلاقة للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، كل هذا له مكانته في حياتي، لكن في الكلية ميزت دائما بين الأكاديمي والسياسي، كان ضمن القانون الداخلي للمنظمة بند يقول “أهم شيء في حياتي هو انتمائي للمنظمة” وأنا يمكن أن أقول أهم شيء في حياتي كان هو العلاقة بالبحث والتدريس، نعم كان هناك التزام، لكن دائما هناك تمييز بين المجالين.

وحول مشروعه الفكري ، كشف أن مشروع كتاب لم ينته منذ سنوات حول النظام السياسي المغربي وهذا ورش مفتوح، وكذلك مشروع رواية، اللجوء للرواية ليس هروبا من التحرير المعتاد، هناك أشياء كثيرة في السياسة لا يمكن الحديث عنها فقط بلغة التحرير السياسي والأكاديمي المتعارف عليه.

 

النشرة الإلكترونية

اشترك في النشرة الإلكترونية ل 24 ساعة، لتصلك آخر الأخبار يوميا

تعليقات

لم يتم إيجاد التعليقات

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.