24 ساعة | الحقيقة… أولا و أخيرا

 عاجل

“أحاديث في ما جرى”مذكرات عبد الرحمان اليوسفي..من طنجة إلى مراكش

الخميس 24 يناير 2019 - 18:23
“أحاديث في ما جرى”مذكرات عبد الرحمان اليوسفي..من طنجة إلى مراكش
معاذ السباعي

كان الحصول على الشهادة الابتدائية في نهاية الثلاثينيات يعتبر إنجازا هاما، ويفتح أمام الحاصل عليها أبواب الوظيفة العمومية، لأن أعمار أغلبية التلاميذ، كانت آنذاك تقترب من العشرين سنة، وكنا أقلية تقل أعمارنا عن 14 سنة.
عند نجاحي في امتحانات الشهادة الابتدائية، كانت لدي رغبة لإتمام دراسة السلك الثانوي بثانوية مولاي يوسف بالرباط، ومما زاد من هذه الرغبة إلحاح وتشجيعات إخوتي على تحقيقها. ولكي أتمكن من متابعة دراستي، كان من الضروري الحصول على منحة دراسية تضمن لي مأوى آمنا بداخلية الثانوية، التي جرت العادة أن تمنح بشكل تلقائي لكل حاصل على تلك الشهادة، بمجرد أن يتقدم بطلب عادي في هذا الشأن. إلا أنه تقرر في تلك السنة، إجراء مباراة لطالبي المنحة الدراسية، وبالفعل شاركت في اجتيازها، وبالرغم من أنني كنت من ضمن الأوائل، فقد رُفض طلبي بحجة أن وثائق الملف تتضمن مهنة والدي، على أساس أنه من «الملاك». لأنه بالإضافة إلى البيت الذي كنا نسكنه، كان أبي يملك بيتا آخرا، يؤجره لإدارة الموارد العامة التي كانت تستعمله كمدرسة، وفيها تلقيت دراستي بالتعليم الأولى.
أثار قرار الرفض ذاك حفيظة مندوب إدارة التعليم بطنجة، خاصة عندما لاحظ أن لائحة المقبولين تضم العديد من أولاد القياد وكبار الملاكين في منطقة الغرب، الأمر الذي خلف لديه موجة من الغضب، حيث كتب رسالة احتجاج إلى مدير التعليم الثانوي المسؤول عن توزيع المنح السيد «لوسيان بايLucien PAYE «، متسائلا كيف يمكن أن تعتبر إدارته طفلا، يتيم الأب مليونيرا، وهو في الحقيقة مجرد تلميذ مجتهد فقد والده، ولديه رغبة في إتمام دراسته. قائلا «بقراركم الجائر هذا، أصدرتم عليه حكما بعدم متابعة دراسته الثانوية». فاضطر السيد «لوسيان باي» أمام هذا الإلحاح أن يراجع قراره، لكن دون أن يسجل عليه تراجع ما.

فقد أخبر مندوب التعليم بطنجة بعدم وجود أي إمكانية لمتابعة دراستي بثانوية مولاي يوسف بالرباط، ولكن إذا أردت التوجه إلى مدينة مراكش، فلا مانع في ذلك. ودون أن يستشير معي السيد المندوب رد عليه قائلا، إنني مستعد للذهاب إلى أية وجهة يختارونها. هكذا، وجدت نفسي في سن طفولة مبكرة، أنتقل وحيدا من مدينة طنجة إلى مراكش لمتابعة دراستي في المرحلة الثانوية.
قبل بداية الرحلة، كان عَلَيَّ اجتياز العديد من العراقيل الإدارية، كالحصول على جواز السفر وطلب التأشيرة من القنصلية العامة الإسبانية في طنجة، حتى يتسنى لي مغادرة طنجة ثم عبور المنطقة الشمالية الخاضعة للنفوذ الإسباني. ثم الحصول على تأشيرة ثانية من القنصلية العامة الفرنسية، لأتمكن من عبور المناطق الجنوبية التي كانت ترزح تحت الحماية الفرنسية. وفي يوم السفر، كان علي أن أقف على الأقل أمام أربعة شبابيك في نقاط المراقبة، لأختم جواز سفري من طرف السلطات الأمنية، وأن أفتح حقائبي أربع مرات أخرى للتفتيش من طرف المراقبة الجمركية. ورغم صغر سني، كان ينتابني شعور بالإهانة وأنا أخضع للمراقبة والتفتيش بصفة متكررة، من طرف أجانب وبطريقة سلطوية، مما دفعني لطرح العديد من الأسئلة على نفسي، حول المضايقات التي كانت تواجهني، فقط من أجل التنقل لغرض إتمام دراستي الثانوية في بلدي ووطني المغرب.
كما كنت أتساءل حول تقسيم التراب الوطني بين قوتين أجنبيتين. طبعا، لم يسعفني سني آنذاك للإجابة بشكل دقيق عن العديد من الأسئلة تلك التي كانت راودتني، لكنها ظلت ساكنة بداخلي. ومع تنامي الوعي، بدأت أتلمس أجوبة لما يحدث، حول الاستعمار، وحول التفريط في وحدة التراب الوطني، وحول عرقلة حرية التنقل، وحول الحق في التمدرس وأخيرا حول الحق في المقاومة ومناهضة كل التجاوزات، بدءا بالاستنكار والاحتجاج والإضراب إلى المقاومة.


بعد رحلتي، بطول مسافتها وصعوبة مسالكها، من طنجة إلى مراكش، اعترضتني أول صعوبة منذ اليوم الأول من وصولي، حيث تعجبت من شكل تواصل زملائي، سواء في القسم، أو الذين أتقاسم معهم المبيت في داخلية الثانوية. فقد كانوا جميعا إما من مدينة مراكش أو من منطقة سوس، بينما كنت الوحيد القادم من طنجة، مختلفا بلهجتي الشمالية، ذات الرنة غير الواضحة لدى زملائي، والتي كانت تثير لديهم الاستغراب والضحك في غالب الأحيان. وكان إحساسي مماثلا عند سماعي لهجتهم. لم يكن هذا الاستغراب والضحك يندرج في باب الاستخفاف أو التهكم على الأخر، بل كان من باب الفضول والبحث والمعرفة. فقد كان زملائي يكتشفون لأول مرة اللهجة الشمالية، وكانت كلمة «القلاينة»، أي الأرانب، تثير لديهم موجة من الضحك. وبالنسبة لي، كنت أسمع لأول مرة عبارة «دْرُوكْ» المراكشية (أي الآن)، وهو ما أثار لدي الضحك نفسه.
في تلك المرحلة، كانت المناطق والجهات لا تزال منغلقة على نفسها، بسبب عدم انتشار الطرق وضعف وسائل النقل وانعدام وسائل التواصل من إذاعة وتلفزة ومسرح وسينما وغيرها من الأدوات، التي تلعب دورا أساسيا في التمازج والاختلاط ومحو الفوارق اللهجاتية… إلخ.
تنظيم أول إضراب
نسجت، في فترة وجيزة علاقة صداقة مع العديد من الزملاء التلاميذ، كما ساهمت في تنظيم أول إضراب في الثانوية، ولم يكن سياسيا، بل كان احتجاجا على قرار ظالم صادر عن المراقب العام الذي أراد أن يعاقب كافة التلاميذ بدعوى أن أحدهم بَصَقَ على قِطْعة من الخبز. وقد رفضنا محتجين ضد هذه العقوبة، مؤكدين أنه لن يتجرأ أي مغربي أن يبصق على قطعة من الخبز، وهذا أمر مترسخ في تقاليدنا وثقافتنا، خاصة في تلك المرحلة. بعد التأكد من الأمر، اتضح أن المشكل يتعلق بقطعة صغيرة من الملح لم يتم ذوبانها كلية داخل العجينة، فطفت على سطح الخبز وبَدَتْ كأنها بصقة. لكن الشيء الذي أَثَّرَ فيَّ آنذاك، هو العتاب الذي تلقيته من المدير السيد « دُوفِرْدَان Deverdan»، الذي كنت ولا أزال، أكن له احتراما كبيرا، ، حيث خاطبني موجها كلامه إلي، كما لو أنني المسؤول عما حدث، قائلا: «من حقكم أن تحتجوا ضد قرار غير منصف، ولكن أن تعبئوا كل المدرسة بما فيها تلاميذ الأقسام الابتدائية للقيام، بأول إضراب في المدرسة، فأنتم تفتحون السبل أمام الآخرين مستقبلا، الذين كلما أرادوا الاحتجاج سيشنون إضرابا».
كنا نقوم، طيلة متابعتي للدراسة في مدينة مراكش وأثناء العطلة الأسبوعية والعطل المدرسية الأخرى، برحلات إلى ضواحيها. كما كنا نقوم بزيارة كلية ابن يوسف ونتجول بشوارع المدينة، وغالبا ما كنا نمر أمام إقامة الباشا الكلاوي الذي كان يحكم مدينة مراكش ونواحيها بقبضة من حديد، حيث كانت تصلنا العديد من الأصداء عن كيفية ممارسته للسلطة كباشا، وقساوته التي كان يتحدث عنها الجميع. فكنت أقارن بين هذا السلوك الذي يطبع سلطة التهامي الكلاوي مع السلوك الذي كان يمارسه المندوب بن عبد القادرالتازي بمدينة طنجة، سواء التازي الأب أو التازي الإبن الذي ورث عن أبيه هذا المنصب، فقد كان يعامل الناس بإنصاف واحترام، ويعطي لكل ذي حق حقه. حتى في الحالة التي يعم فيها التوتر والقمع أغلبية أنحاء المغرب، ظلت طنجة في منأى عن هذه الظواهر.
أسرتني جاذبية مراكش الساحرة لدرجة أنه في نهاية السنة بعد الإعلان عن النتائج النهائية، استدعاني السيد المدير قائلا: « السيد اليوسفي، لقد نجحت هذه السنة وبما أنك من طنجة وللتخفيف عنك من طول المسافة سأبعث بملفك إلى الرباط لمتابعة دراستك بثانوية مولاي يوسف ابتداء من السنة القادمة». شكرت له حسن عنايته وأبديت رغبتي في مواصلة متابعة دراستي بمدينة مراكش التي استأنست بها وارتحت للمستوى الدراسي الجيد فيها. وكم كنت سعيدا عندما اقنعت السيد المدير بالبقاء في مراكش، حفاظا على العلاقات الإنسانية والصداقات التي ربطتها مع العديد من الزملاء، الذين أذكر منهم على سبيل المثال، لا الحصر، محمد بنهيمة الذي سيصبح وزيرا للخارجية، والسيد محمد الشياظمي وقد أصبح أستاذا مرموقا وأمينا عاما للبرلمان. وعائلة سكيرج (وهم كثر)، والأستاذ امحمد بوستة الذي كنا نقتسم معا طاولة الدراسة طيلة السنة الأولى، قبل أن نفترق لأنه انتقل في السنة الثانية لمتابعة دراسته بالرباط، غير أننا سنلتقي لاحقا، حول ملفات وطنية ولحظات تاريخية، كان أبرزها ميلاد الكتلة الديمقراطية في بدايات التسعينيات من القرن الماضي.

مقالات ذات صلة

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هيئة تحرير 24 ساعة

0 التعليق

لا تعليقات حتى الآن!

لا توجد تعليقات في الوقت الحالي، هل ترغب في إضافة واحد؟

اكتب تعليق

اكتب تعليق