24 ساعة

 عاجل

المقاطعة رسالة للفهم

الجمعة 1 يونيو 2018 - 20:46
المقاطعة رسالة للفهم
رشيد قنجاع

رشيد قنجاع

عرف المغرب في السنتين الاخيرتين موجات من الاحتجاجات الاجتماعية ، شكلت في كل تجلياتها مرحلة جديدة من الاحتجاج الشعبي من حيث المكان و من حيث طبيعة المحتجين و الشعار المطلبي ، فحراك الريف و في تسميته يحدد المكان و من المكان تحدد طبيعة المحتجين ، نجده قد وضع مطالب بناء المستشفيات و الجامعات و توفير مناصب الشغل في صلب النقاش العمومي؛ و تلاه حراك زاكورة الذي حمل مطلب توفير الماء كضرورة آنية ؛ ثم حراك أوطاط الحاج الذي كثف صوت ساكنة المدينة المطالب بتوفير الخدمات الصحية ، و أخيرا حراك جرادة الذي ركز المطالب السابقة في مطلب عام يشمل كل المطالب السابقة التي رفعتها الحراكات السالفة الذكر و المتمثل في “البديل الإقتصادي”. هذه الاحتجاجات رسخت مرحلة جديدة كما اسلفت الذكر تميزت بالاستعمال المكثف للوسائط الاجتماعية بكل انواعها و بسلمية الاحتجاجات الذي كان هما مرهقا للمحتجين ، أدى إلى تحقيق أشكال تنظيمية نوعية ابهرت الجميع.

اليوم انتقل الاحتجاج إلى مرحلة اخرى كذلك و هي فريدة من نوعها شكلا و مضمونا في تاريج الاحتجاج الشعبي بالمغرب، تجسدت في حملة المقاطعة لبعض المنتوجات عبر الفضاء الازرق و الوسائط الاخرى و على راسها الواتساب، و في كل هذه الاحتجاجات و بكل انواعها و بآخر ابداعاتها يحضر القدر الكبير من الغضب و الاحباط و التدمر لدى فئات واسعة إن لم اقل عامة من الشعب المغربي و بالاخص الطبقتين المتوسطة و الفقيرة ، تكثنفه قلق متزايد بشأن الوظائف و الرواتب و توفير لقمة العيش كل حسب موقعه الطبقي ، و يختزله شعور عارم لديهم يتمثل في كونهم خارج دائرة اتخاد القرار الذي يتعلق بهم سياسيا و اقتصاديا و بالتالي حاولوا ابداع هذه الاشكال للاجابة عن سؤالهم المؤرق كيف يكون صوت الشعب مسموعا ؟

و في كل هذه الاحتجاجات لعبت الطبقة المتوسطة دورا محوريا في صياغة اشكاله و مطالبه و التأطير له نظريا و عمليا و العمل على تعميم النقاش حول محتواه في مواقع تواجدها الاجتماعي افتراضيا من خلال الوسائط الاجتماعية أو واقعيا من خلال تواجدها الوظيفي في اماكن العمل و في المقاهي و المنتديات و الحلقات الاجتماعية الاخرى من الاسرة إلى الجيران و الحي، و هي بذلك تحاول الدفاع عن موقعها الذي صار مهددا بفعل تداعيات السياسات الاقتصادية الليبرالية المتوحشة التي قضت على احلامها و تطلعاتها في الرقي الاجتماعي أو ما يطلق عليه الانتقال التصاعدي داخل المنظومة المجتمعية مما جعلهم في وضعية اقرب إلى الطبقة الفقيرة .
كل هذا الوضع المتأزم مرده إلى الراسمالية المتوحشة أو رأسمالية أقلية الاقلية ، التي سبق للقوى الحية في البلاد ان نبهت على خطورتها منذ 1984 أي مند تبني سياسة التقويم الهيكلي و ما تبعتها من سياسات للخوصصة و بعدها سياسات تحرير الاسعار و الاعفاء الضريبي للشركات و المقاولات على حساب دافعي الضرائب من المواطنين إلى لحظة ترسيخ مفهوم غامض و لكنه ممنهج و هو اقتصاد السوق الحر بقواعده المتغيرة حسب المصالح و الظروف و المتمثلة في القواعد الخمس : الملكية المطلقة ، الاحتكار ، العقود ، الافلاس و التنفيد و هي قواعد لا تاتي من الطبيعة و انما تعكس مصالح الاقوى . حيث أن الاختباء وراء شعار السوق الحر اتبث بالملموس أن السيولة المالية المتسارعة و اليومية تخرج من جيوب المواطنين العاديين و تتدفق إلى الطبقة المستفيدة و اقليتها كذلك في شكل أرباح لمقاولاتها الضخمة و أجور مديريها التنفيديين و إلى اصحاب الاسهم.

و أثناء عملية التدفق و ما تنتجه من تراكم للثروة ، و الثروة بدون سلطة سياسية هي ثروة مفقودة ، تمت عملية القفز إلى دائرة السلطة السياسية قصد التحكم في كل الجزئيات حفاظا على الثروة و رغبة في المزيد من التراكم و قصد المزيد من القدرة على التاثير و التحكم في قواعد اللعبة.و هو ما صار باديا للعيان و منذ سنوات من خلال الترخيص لرجال الاعمال و الاثرياء من التوغل في المشهد السياسي عبر التحكم في الاحزاب السياسية و السيطرة عليها من خلال اقصاء الفاعل السياسي الحزبي و تبديله بمول الشكارة، حتى يتحول الحزب و موقعه السياسي إلى منطلق للدفاع عن مصالح هذه الاقلية عبر بوابات السلطة التنفيدية ( وزراء يدافعون عن مصالح الشركات بدل الدفاع عن مصالح الفقراء) و التشريعية ( الباطرونة ، برلمانيين اثرياء ) و القضائية ( محاكمة النقابيين و المحتجين).

أمام هذا الوضع المتازم ، بدأ الغضب و القلق و التدمر يسفر عن قواعد مجتمعية جديدة و خطيرة ، فالمجتمع لم يعد يعنيه التموقع الفكري و السياسي يمين يسار بل بدأ يرسخ مفاهيم جديد و منطلقات للتفكير جديدة انحصرت في توجهين بارزين اكيد ان تداعيات ترسيخهما ستكون لها عواقب فظيعة و هما من مع المؤسسات و من ضد المؤسسات .

إن الخلاصة التي يمكن الخروج منها تتعلق بأن الديمقراطية التي تروج الآن هي ديمقراطية تناسب عمليا و تكتيكيا و استراتيجيا هذه الاقلية المتنفدة و المستفيدة و هي آلية للمزيد من تراكم الثروة ، و بالتالي أعتقد ان إعادة النظر في ميكانزمات نظامنا الاقتصادي و توجيهه نحو مبدأ العدالة الاجتماعية و الكرامة الانسانية و الدولة الاجتماعية التي أساسها المواطنة الحقة التي تعني ليس فقط الانتخاب و دفع الضرائب بل تعني المشاركة الحقيقية في اتخاد القرار و في الاحتجاج إذا كان الاحتجاج ضروريا.

أكيد إذا وضعت نفسك في حالة الاختيار بين العيش في فينيزويلا التي يتزعمها شيوعي مناضل و الدانمارك أو النرويج الراسمالي ، فإنك ستختار الاخيرتين.

مقالات ذات صلة

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هيئة تحرير 24 ساعة

إعلانات

إستطلاع الرأي

هل تتحمل حكومة العثماني مسؤولية الزيادة في المحروقات؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الأرشيف