24 ساعة

 عاجل

المخزن وسياسة ثالوث الريف (تحليل)

الثلاثاء 9 مايو 2017 - 12:55
المخزن وسياسة ثالوث الريف (تحليل)
هيئة التحرير

شريف ادرداك -24 ساعة
عقب ضم منطقة الحماية الاسبانية بالشمال لسلطة المخزن يوم 7 ابريل 1956، وبعد الاحداث التي شهدها اقليم الريف (الحسيمة حاليا) سنتي 58/59، راهن الراحل الحسن الثاني على ثالوث: التهجير، السماح بزراعة الكيف، وامتهان التهريب الحدودي مع سبتة ومليلية، من اجل افراغ المنطقة من الموارد البشرية المنتفضة في وجه المخزن، وكذا خلق اقتصاد اسود (économie noire) في شمال المغرب ينقذ اكثر من مليون نسمة من المجاعة، وفي نفس الوقت يدر الملايير على المتحكمين في دواليب سياسة هذا البلد دون ادنى مجهود. واستطاع بذلك ان يقسم شمال المغرب، الذي انتقل من سلطة القوانين الاسبانية لسلطة القوانين الفرنسية، الى 3 مناطق:
– ريف التهريب: القبائل المجاورة لسبتة ومليلية.
– ريف الكيف: صنهاجة وغمارة، لتنضاف لهما قبائل جبالة مؤخرا.
– ريف الهجرة: القبائل الممتدة من نهر كرث شرقا لنهر بادس غربا، وهو الريف بمفهومه الاثني القبلي، حيث ان المنتمين لهذه الرقعة هم الوحيدون الذين يقولون بانهم روافة عندما يتواجدون بمنطقتهم.
وبعد مرور ازيد من نصف قرن من هذا الاختيار، اصبحنا نعيش تجليات هذه السياسة الاستراتيجية التي نجحت على المدى القريب والمتوسط، لكنها فشلت على المستوى البعيد، لانها لم تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للعناصر القبلية المكونة لجبال الريف، حيث اعتبرتهم كتلة قبلية واحدة وهذا اكبر خطأ.
فالريف الاثني-القبلي (من نهر كرث شرقا الى نهر بادس غربا) ، بزعامة قبيلة بني ورياغل التي تعتبر دينامو هذا الريف بمفهومه الضيق، استطاع ان ينجب نخبة مثقفة واعية متشبعة بافكار ثورية ضد المخزن وحافظت على ذاكرتها الجماعية-التاريخية رغم محاولات طمس الهوية الريفية… فابناء هذا الريف، بمفهومه الصغير، استطاعوا ان يتغلغلوا في الحياة السياسية والاقتصادية داخل المغرب وخارجه، فتجد منهم موالين للمخزن كنخبة البام او بعض الاحزاب الكرتونية التي اسسها ريفيون، كما تجد منهم راديكاليين مناهضين للمخزن كزعيم حركة العدل والاحسان، كما ان حضورهم جد وازن في الاحزاب المخزنية الاخرى والتنضيمات المعارضة وكذا الجمعيات المدنية والحقوقية. اضافة لذلك فقد استطاع العديد من الريفيين ان يؤسسوا شركات عائلية اصبحت تنافس شركات اللوبي الفاسي والسوسي.. كما ان ابناء المهجرين استطاعوا ان يقتحموا عالم السياسة الاوربية، والمنظمات الدولية خصوصا بهولندا وفرنسا وبلجيكا واسبانيا..ومنهم من اصبح مشهورا على الصعيد العالمي خصوصا في مجالي الرياضة والفن.
اما ريف الكيف (صنهاجة وغمارة) كما سماها J.F. Troin فلم تنجب سوى مزارعين بسطاء متابعين بتهمة زراعة الكيف، و بزنازة -من الحجم المتوسط والصغير- هربوا اموالهم لمدن فاس وطنجة وتطوان للاستثمار في العقار والمشاريع الخدماتية… فابناء هذا الجزء من الريف الجغرافي لم يستغلوا ثروة الكيف من اجل بناء منطقتهم وخلق لوبي صنهاجي او غماري (كيفي) يصل لمراكز القرار، بالرغم مما تدره المنطقة من عائدات قدرتها USA ب 23% من الناتج المحلي الخام للمغرب. فبالعكس من ذلك، اصبحت المنطقة حلبة للصراع بين ابناء الجلدة الواحدة، كما ان اغلب ابناءها يتنكرون لاصولهم (الصنهاجية او الغمارية)، فكم من صنهاجي يقدم نفسه كريفي “بزز” ويحاول ان يتكلم الامازيغية الريفية “بدراع” وان كانت بلكنة مكسرة، او يحاول ان ينسب نفسه للمدينة التي ولد فيها، او يقر بانه جبلي على قول اخواننا روافة له عندما يزور الحسيمة ونواحيها، وكم من صنهاجي يتحاشى ويستعر من ان يتكلم بأمازيغيته الصنهاجية (الشلحة) التي تختلف عن الريفية، وكم من واحد يقدم نفسه على انه “شريف” ينتمي للسعودية. وما قيل عن صنهاجة ينطبق على غمارة، فكم من غماري يقدم نفسه كجبلي، او شاوني اندلسي، وكم من امازيغي غماري (خصوصا بني بوزرا وبني منصور) يتحاشى ويستعر من الحديث بالشلحة الغمارية المصمودية الاصل.
فحتى حراك الريف الاثني-القبلي مختلف عن حراك ريف الكيف (خصوصا صنهاجة، لان غمارة لم تتحرك بعد). فحراك روافة رفع مطالب اقتصادية واجتماعية بنفحة سياسية تنم عن وعي جماعي متراكم لعقود، وسط التفاف حول شخص الزفزافي، دون النظر في اصله او مستواه العلمي او الاجتماعي، بالرغم من وجود انتقادات له بين الفينة والاخرى. كما ان المعارضين لحراك الريف الاثني-القبلي من جمعيات واحزاب مخزنية لم تتجرأ على الخروج للعلن لانها تعرف ان الوعي الجماعي لروافة سيجعل منهم اضحوكة في مخيال الذاكرة الجماعية. كما ان المتتبع لهذا الحراك يحس بالنزعة الهوياتية، للمتظاهرين، وذلك من خلال رفع اعلام جمهورية الخطابي وصوره، وعلم الهوية الامازيغي، وكذا مخاطبة الجماهير بالامازيغية الريفية، وسط تكتل جهوي ودولي للريفيين من اجل تقوية الحراك الذي استطاع ان يصمد في وجه المخزن، الذي يعتبر القوة التنظيمية الوحيدة في المغرب، بالرغم من حملات التشويه التي طالته، وكذا محاولات نسفه من الداخل عن طريق خلق انقسامات باستعمال اسلوبي الترهيب والترغيب معا.
اما حراك ريف الكيف، خصوصا تركيست واساكن، فقد رفع مطالب اجتماعية محلية مغفلا الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمنطقة. فحراك تركيست مثلا بدأ بسبب غلاء فواتير الكهرباء، ومطالب هذا الحراك تتمحور في غالبيتها حول هذا المشكل، كما ان حراك اساكن، او تلارواق كما يسميه اصحابه، فله مطلب وحيد وهو ضرورة استفادة ساكنة تلارواق من عائدات تفويت اراضي السهل الاصفر للاملاك المخزنية، والتي استفاد منها 19 عضوا بتعاونية الفتح، وهو الامر الذي اخرج اهالي تلارواق للاحتجاج منذ سنة.
حراك صنهاجة يختلف عن حراك الريف من ناحية المضمون وكذا الشكل. فخلال احتجاجات الصنهاجيين يكون العلم المغربي اكبر الحاضرين في غياب تام لعلم وصور الخطابي وعلم الهوية الامازيغية (الذي بدأ يتغلغل ببطئ في المنطقة منذ ظهور جمعية أمازيغ صنهاجة الريف)، كما ان الخطابات الجماهيرية كلها تكون بالدارجة عوض الشلحة الصنهاجية، اذ ان المطالب الثقافية الامازيغية الصنهاجية تبقى دائما غائبة، اضافة لعدم اثارة مطالب لها علاقة؛بزراعة الكيف والتنمية باستثناء سرد مطلب الغاء المتابعات في حق المزارعين في بعض الاحيان، والذي يبقى محتشما لحد الساعة.
كما ان المنطقة تتميز عن الريف الاثني-القبلي بتجذر الفكر المخزني. فيكفي ان تظهر جهة ما تفضح واقع المنطقة اوتحاول توعية الساكنة عن طريق الندوات والبيانات والخرجات الاعلامية حتى يتم تجييش الجمعيات الحزبية لمواجهتها عن طريق اصدار بيانات او تنظيم مسيرات تنديدية، وهذا ما يحدث لجمعية “امازيغ صنهاجة الريف” التي تعتبر الجمعية الحقوقية الوحيدة بالمنطقة، كلما اقدمت على خطوة تفضح واقع المنطقة والمتحكمين فيها من بزنازة ومنتخبين ورجال سلطة. ولعل ما حصل في بني بوفراح مؤخرا لخير دليل على خصوصية منطقة صنهاجة؛ حيث استقدم قائدا بني بوفراح وبني كميل جيشا من مزارعي الكيف والمنتخبين رافعين الاعلام المغربية وصور الملك ومرددين شعارات لها علاقة بملف الصحراء لمواجهة ونسف المسيرة الاحتجاجية.
كما ان سياسة التضامن غائبة بالمنطقة، والسبب راجع لسواد منطق تخوين ابن المنطقة وحب البراني. فقد سبق لجمعية “امازيغ صنهاجة الريف” ان اصدرت بيانات تضامنية مع حراك تركيست في نسخة 2013 وكذا حراك اساكن في نسخة 2014، الا ان نشطاء هذين الحراكين اتهموا الجمعية بمحاولة الركوب على الاحتجاجات وبقوا منعزلين في حراكهم ولم يتحقق اي مطلب لهم لحد الساعة، وهو الامر الذي جعل الجمعية تنأى عن اصدار اي بيان تضامني مع اي شكل او تنظيم في المنطقة تفاديا لخلق جبهة صراع لن تضيف سوى انقسام جديد داخل منطقة صنهاجة.
نعم لقد استطاع النظام ان يربح الرهان في ريف التهريب وريف الكيف، حيث استفاد من السلم الاجتماعي بهذه المناطق التي يستعملها لخلق توازن سياسي في الشمال، كما ان جل الساكنة فيها تعمل كالاقنان في ضيعة السيد، فهي تزرع الكيف ليستفيد منه النافذون في الدولة، كما تعتبر النخبة العسكرية اكبر مستفيد من تهريب السلع الاسبانية نحو المغرب. اضافة لذلك، فهذين الريفين يتميزان بتجذر الفكر المخزني فيه وذلك بسبب انتشار الزوايا فيه سابقا (كالزاوية الخمليشية، الوزانية، الناصرية، البقالية…)، وكذا بسبب سماح الدولة للساكنة بامتهان انشطة غير قانونية (زراعة الكيف والتهريب) مما يسهل عملية التحكم فيهم عن طريق الابتزاز والولاء.
نعم انه الفرق بين ريفي الكيف والتهريب وريف الهجرة، هذا الاخير الذي بقي شوكة في حلقة المخزن بالرغم من محاولات اختراقه عن طريق تكليف حزب البام، الذي يقوده منحدرون من هذا الريف، من اجل تمييع الساكنة وقتل الروح الثورية التي يتميزون بها وكذا من اجل اقبار الكره الذي يكنونه للمخزن. لقد ارادوا لساكنة هذا الريف ان يصبحوا مثل ساكنة المدن الاطلسية والداخلية، حيث تغيب الروابط القبلية والعائلية، وينتشر الفكر الفرداني وكذا العادات الدخيلة على الثقافة الامازيغية المتميزة بالحشمة والوقار.

وبعد 6 اشهر من احتجاجات الحسيمة، يمكننا القول بان المخزن فشل في احتواء الريف الاثني القبلي وعلى راسه قبيلة بني ورياغل، وان كان النظام قد استفاد لعقود من عائدات المهجرين لاوربا من العملة الصعبة التي يستثمرها اللوبي الفاسي عن طريق الابناك التي يملكونها.

مقالات ذات صلة

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هيئة تحرير 24 ساعة

0 التعليق

لا تعليقات حتى الآن!

لا توجد تعليقات في الوقت الحالي، هل ترغب في إضافة واحد؟

اكتب تعليق

اكتب تعليق

إعلانات

إستطلاع الرأي

هل تتحمل حكومة العثماني مسؤولية الزيادة في المحروقات؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الأرشيف